أمجاد العرب
صحيفة الكترونية يومية amgadalarab.48@gmail.com
ألصفحة الرئيسة
أخبار .. بيانات
ملفات اخبارية
مختارات صحفية
كورونا حول العالم
بيانات و تصريحات
تحت المجهر
كواليس واسرار
كورونا
مقالات وتحليلات
مواضيع مميزة
مقالات وافكار
تقارير دراسات
ادب وثقافة
منوعات
الأسرى
كلمة الأمجاد
راسلنا
من نحن
 
كلمة الأمجاد
لمواجهة الضم ..!! بقلم : شاكر فريد حسن
 
المتواجدون حالياً
 
المتواجدون حالياً :
 
 23
 
عدد الزيارات : 41598034
 
عدد الزيارات اليوم : 490
 
أكثر عدد زيارات كان : 76998
 
في تاريخ : 2014-04-20
 
 
مقالات
 
مواضيع مميزة
تهديد أمْ حربًا نفسيّةً.. تل أبيب: باستطاعتنا اغتيال نصر الله في كلّ زمنٍ نختاره

صحيفة عبرية : مفاوضات سرية بين السعودية وإسرائيل برعاية أمريكية حول الأقصى

التنسيق الأمنيّ بين الاحتلال والسلطة الفلسطينيّة مستمرّ رغم ادعاءات وقفه ووزيرٌ إسرائيليٌّ: “عبّاس بحاجة للتنسيق مع إسرائيل

جنرالٌ إسرائيليٌّ: يؤكد عدم قدرة الجيش على إدارة المعارك في أكثر من جبهةٍ واحدةٍ بنفس الوقت

نتنياهو يكشف عن رؤيته لتفاصيل تطبيق السيادة على الأراضي الفلسطينية

المطران حنا: لحزب الله دور في الدفاع عن الحضور المسيحي في سوريا وأكثر من موقع في المشرق

نتنياهو: اتصالات مع حماس لهدنة طويلة الامد في قطاع غزة

ديختر : على إسرائيل خوض حرب واسعة النطاق بغزة تمتد لسنتين أو ثلاث

خبراء عسكريون بالكيان: ضربةٌ حقيقيةٌ ستكون سببًا بتفكك إسرائيل و200 ألف مُواطِن بالشمال بدون حمايةٍ من صواريخ حزب الله وانفجار الأمونيا بخليج حيفا سيُوقِع مئات آلاف القتلى

وثيقةٌ عسكريّةٌ سريّةٌ بتل أبيب: معركة بنت جبيل أشرس المعارك ضراوةً خلال حرب لبنان الثانيّة وما زالت عالقةً بالذاكرة الجماعيّة الإسرائيليّة

لماذا تشكيل حلف جديد في منطقة الخليج؟ فهيم الصوراني

تل أبيب: حزب الله نجح بإقناع المجتمع الإسرائيليّ أنّ لبنان مقبرة جيش الاحتلال مع عددٍ هائلٍ من القتلى وسيستفيد بأيّ نزاعٍ مستقبليٍّ من تأثير تهديداته الكابوسيّة

موقع عبري يتحدث عن خطة حزب الله السرية لـ"غزو إسرائيل" ومهمة أعضاء وحدة "رضوان" بالهجوم

 
مواقع صديقة
نبض الوعي العربي
سورية العربية
الصفصاف
مدارات عربية
 آخر الأخبار |
   خذوا أسرارهم من صغارهم: معلّقون اسرائيليون يرون في انفجار بيروت رسالة لطهران       "واشنطن بوست" لا تستبعد تورّط إسرائيل في انفجار بيروت      مجلس الوزراء اللبنانـي يقرر وضع المعنيين بانفجار مرفأ بيروت في الإقـــامة الجبريــة      المناضلة بوحيرد للميادين: ألتمس العذر من اللبنانيين أنني لست حاضرة معهم بجسدي      تداعيات انفجار بيروت.. مخاوف إسرائيلية من “كارثة” قد تقع في حيفا بسبب مخازن المواد الكيماوية      خبراء يُجيبون عن سؤال الساعة: من أحرق لبنان؟.. إسماعيل صبري مقلد: ضربة استباقية إسرائيلية محسوبة بعناية وتحوّلات خطيرة قادمة والمتآمرون لا ينامون..      عبد الباري عطوان// لماذا يجعلنا تصريح ترامب بأنّ تفجير لبنان “هُجوم مُتعمّد” لا نستبعد “نظريّة المُؤامرة” فمن يَقِف خلفه؟ ومن أرسل سفينة “نترات الأمونيوم”      إيران تتهم أمريكا وإسرائيل بانفجار بيروت وتعتبر تعاطفهما مع اللبنانيين نفاقا وخداعا وعلى واشنطن رفع العقوبات عنهم      شيء من بيروت...!! بقلم : سهيل دياب – الناصرة      كيف وصلت "شحنة الموت" إلى لبنان؟      تغريدة قديمة لأفيخاي أدرعي تشير إلى احتمال “تورّط” إسرائيل في انفجار بيروت...      العالول يكشف عن تواصل مع القيادة الفلسطينية وإسرائيل لإعادة عملية السلام      الاعتداء الإسرائيلي على لبنان يشكل جرائم حرب دولية بقلم : سري القدوة      قصيدة سلامٌ عليكِ فراس حج محمد/ فلسطين      اسرائيل وانفجار مرفأ بيروت ..؟ د. هاني العقاد      الرئيس اللبناني: مصممون على كشف ملابسات انفجار مرفأ بيروت وسنحاسب المسؤولين والمقصِّرين وإنزال أشد العقوبات      الصليب الأحمر اللبناني: أكثر من 4 آلاف إصابة وعدد الضحايا قد يصل إلى مئة      تضامن عربي و دولي مع كارثة لبنان… الاسد يرسل برقية للرئيس عون ويوجه بفتح الحدود لتقديم كافة الاحتياجات للبنانيين.. العراق يرسل مشفى ميداني وكميات من النفط      تعليقا على انفجار مرفأ بيروت.. حسان دياب: لبنان منكوب وما حصل لن يمر من دون حساب..!      ترامب: جنرالاتنا أبلغوني أن انفجار بيروت "هجوم بقنبلة من نوع ما"      إبراهيم أبراش هل يمكن للدولة الواحدة أن تكون بديلاً عن حل الدولتين؟      سرايا القدس تكشف تفاصيل عملية استخباراتية معقدة لجهازها الامني استمرت لـ 1400 يوماً       في رثاء شاعر العودة هارون هاشم رشيد بقلم : شاكر فريد حسن      أبرز تطورات “كورونا” خلال24 ساعة.. أمريكا تُسجل 46 ألف إصابة و561 وفاة في البرازيل      ربع سكان الكيان بدون ملاجئ ورئيس مجلس الأمن القوميّ سابِقًا الجنرال آيلاند: صواريخ حزب الله الدقيقة تُشكّل خطرًا وجوديًا على إسرائيل      سعيد نفاع // بيت جن الزابود بين الوطنيّة والعروبة وقفات على المفارق      جمال سلسع// العيدُ أَنكَرَني      بمناسبة مرورا اثني عشر عاما على رحيله محمود درويش بوصفه شاعراً وسيماً // فراس حج محمد/ فلسطين      حسن العاصي// الأوروبيون لا يريدون طالبي اللجوء المسلمين      الصحة إلاسرائيلية: ​​تسجيل 1792 إصابة بالكورونا خلال 24 ساعة الاخيرة     
ادب وثقافة  
 

المفــــــــارقة... قصة: نبيل عودة

2019-04-12
 

المفــــــــارقة...

قصة: نبيل عودة

 

 

تجمدت عقارب الساعة واستطال ذهوله لوقت من الصعب تعريفه وتحديده بمعايير الزمن المتداولة.

تاه في رحلة بلا معالم.

بحث عن صوته ليطلق صرخة ذهول.. فتلاشى الصوت.

كان الالم يعيث فيه تمزيقا. يبعثر اشلاءه. لم يصب بأذى ويا ليته اصيب. كان ذهوله وحشيا. تداخلت افكاره عليه. فقد القدرة على الفهم. اختلط المكان عليه ففقد الدلائل لتحديد مكان تواجده. تناثر الزمن.. فاختلط عليه الوقت. كان يرى ولا يرى. يعرف ولا يعرف. ينزف دما ولا ينزف. يمزقه الالم ولا يمزقه. يصرخ ولا يصرخ. الصراخ محبوس في صدره. تلاشى امام ذهوله. أحس بضياعه. ضياع يتكثف. خانق، مؤذ، كئيب. قد تفيده الصرخة في تحديد مكانه، في العودة الى عالم معروف والى زمن معلوم والى رؤية محددة.

ركض مرتعبا نحوه .. شنطته متدلية من كتفه .. وصوته ينطلق مرعوبا:

-       بابا…

بابا ممتدة طويلة نصبت شعر جسمه بقشعريرة وايقظت كل حواسه. حتى تلك اللحظة كان كل شيء واضحا.. وبزمن من الصعب تعريفه انتهى احساسه بما حوله. صرخ مستغيثا، صرخ بقوة لم يعهدها في نفسه. ركض نحوه بهمة ظنها تلاشت مع تلاشي الشباب. اشتدت عضلاته، وتيقظت كل حواسه ... للحظات فقط. بعدها تمزق في ضياعه. تاه في رحلته.

رحلة غامضة .. فقد صوته .. لم يعد يشعر بذاته .. تتفكك اطرافه .. لا شيء يجمعها .. لا شيء يربطها .. لا شيء يحركها .. تسمر في مكانه باحثا عن اطرافه . لا يشعر بيديه. لا يشعر بقدميه. لا يشعر برأسه بين كتفيه. لا يجد صوته. لا يجد يقينه. لا يستوعب رؤيته. جسده يفقد ترابطه. يتفكك. ركبتاه تفشلان في استمرار حمله. لم تعد له قدمان، لا يحس بقدميه.. تلاشتا ... وتهاوى فوق الارض الترابية. لم يحس بألم ركبتيه.. لم يحس بأي الم يعتريه. كان ألمه غريبا. يتدفق من داخله. يتفجر بدفعات ... والدم يتدفق. حارا. والنظرات المرعوبة تتعلق به بلا حراك .. ربما فيهما رجاء، رجاء صامت .

-       بابا..

صرخة مرعوبة ممتدة تطرق طبلتي اذنيه، وتترك صدى لا ينتهي. احساسه العارم بالعجز المطلق يزيده ذهولا وألما.. ذهول ممتد وألم متدفق.. طاغ، صرخة مرعوبة ممتدة تمزق طبلتي اذنيه. وصراخه يتراكم في صدره.. لا يجد منفذا له، صراخ اخرس، يكاد يخنقه صراخه المحبوس.. ولم يجد بدا من احتضان الجسد الصغير. احتضنه بأمل ان يجد فيه بقايا حياة. خضب الدم يديه وثيابه.. دم حار. والصرخة المدوية تواصل طنينها.

صرخة مرعوبة ممتدة .. "بابا" كان الدم دمه والالم المه .. والجسد المتراخي جسده، والعينان الجاحظتان عينيه. مد يده يلامس الجبين الذي تدفق العرق منه قبل لحظات. اصطبغ العرق بالدم. كان يجري مرعوبا صارخا للاحتماء به، فأجبرته طلقة على افتراش الارض... منهارا مذهولا امامه. كاد يحتضنه وهو يتدفق حياة .. وها هو يحتضنه ودمه ينزف قطراته الاخيرة.

كل شيء تغير بلحظات، كل شيء اختلف بلحظات. لم يستوعب ما جرى .. وعجز عن التفكير.

تغيرت المشاعر والافكار، انعدمت، تلاشت، وغيرت مضمونها .. احتلته احاسيس اخرى، احاسيس مجهولة لم يدر كنهها. اعترته رؤية غير التي يمارسها منذ نصف قرن. حاسة سمع غير التي اعتاد عليها كل عمره. ألم لم يعرفه من قبل .. حتى حاسة اللمس تفقد مميزاتها القديمة.

الدم الحار المتدفق لا ينتهي. ربما خياله يوحي له ذلك. . والصرخة في صدره تتضخم ولا تجد مخرجا.. تكاد تخنقه. والدم يخضب يديه والارض، والجسد يتراخى بين يديه، وصرخته المرعوبة الممتدة " بابا " تدوي بتواصل لا يتوقف .. وفي عينيه الجاحظتين رجاء .. وهو عاجز امام الرجاء.

لم يشعر بالجلبة التي حوله، لم يسمع صراخ القهر المدوي .. وغرق بألمه وذهوله وعجزه المرعب. ذهوله تجاوز المه .. تجاوز قهره .. تجاوز صراخه. "بابا" تدوي بأذنيه. كان بينه وبين احتضانه لحظة. قطعتها طلقة. بعد الطلقة حل الذهول .. ولم يحتضن الجسد المنطلق، احتضن صرخته المدوية " بابا ".

الطلقة اوقفته على بعد خطوة منه .. وتلوث الجبين الفتي بالدم الحار المتدفق بغزارة.. واحتضن الارض تحت قدميه. واحتضنه الذهول .. وبقي الرجاء في عيني الصغير.

اراد من نفسه اشياء كثيرة .. في تلك اللحظة لم يفهمها. كان في زمان محدد ومكان معرف .. ولكنه خارج ذاته. كان منفصلا عن حواسه، حيا وميتا، موجودا وغير موجود. قريبا وبعيدا. يمسح العرق عن جبين الصغير فيتدفق الدم. الدم الاحمر القاني. دم لا يتوقف. يملأ يديه. يروي الارض الشرهة بغزارة. تصطبغ ولا ترتوي. وصرخات الالم حوله تعلو.. وهو بعيد.. ربما لا يسمع؟ ربما هو المقتول؟ الدماء المتدفقة دماؤه؟ كان خارج نفسه. خارج وعيه. خارج مكان تواجده . وخارج الزمان المعروف. خارج حواسه ومشاعره. وفي اذنيه دوي لا يتوقف .. يمتد مرعوبا .. مدويا " بابا "، وهو لا ينجح ان يجمع نفسه ... فيتهاوى.

للحظات تداخل الحدث في ذهنه بشكل غير منظم. ربما بقي وعيه. ترسبات ذهنية من قبل الذهول.

حين دوت الصرخة اهتز جسده بفزع.. وبشكل خاطف انطلق للخارج باتجاه الصرخة. لم تكن ضرورة ليفكر بما يحدث. كل شيء كان واضحا بالصرخة.

كان يراه شابا يافعا وعروسه ترفل بالبدلة البيضاء وسط غابة من الزهور، والسعادة تملؤه. تلك امنية عمره. رزق به بعد سنوات طويلة من المعاناة ولم يرزق بغيره. كان يرى حفيده. كان يحلم ان يكون له حفيد، يحمل نفس اسمه، يتجدد به. يحقق ما لم يحققه هو. ومن كثرة ما تاه بحلمه صار يشعر بأصابع الحفيد الصغير تلاطف وجنتيه.. تشد شعره. ولكن الصرخة نقلته من حلمه الجميل الى واقعه التعيس. من شطحته الذهنية الممتعة الى حاضره المذهل اللعين.

" بابا" تدوي ممتدة مرعوبة في اذنيه ... تختصر احلاما وامنيات واسعة رحبة. حين ركض نحوه فهم كل شيء بأجزاء من اللحظة. حاول ان يوقف الطلقة بكفه الملوحة للجندي.. او ان يقنع الجندي بتوجيهها نحوه، بدل الصغير المرعوب. ولكن القرار كان جاهزا.. ونفذ بلا تردد.

تأمل لثوان سحنة الجندي الباردة، ولمح ظل ابتسامة. حقا سحناتهم متشابهة. ورصاصهم متشابه، اما تلك السحنة لذلك الجندي مع ظل ابتسامة، بوجهه الطفولي الاجرد من الشعر، وبعينيه الزرقاوين الباردتين، فترسبت في ذهنه.

كان فيها شيء مألوف لم يستوعبه في ذهوله. لأمر ما كانت السحنة تضغط للتجلي .. للبروز. ولكن الصرخة المدوية الممتدة " بابا " افقدته القدرة على اي حس او تفكير او مراجعة ذهنية. افقدته تفكيره وذاكرته. افقدته احساسه بالزمان. افقدته احساسه بالمكان. افقدته معرفة ذاته. ومع ذلك ضغطت سحنة الجندي ذهنه ... ذهنه الخالي الا من ذهوله والمه وصراخه المحبوس .. سحنة لن ينساعا. لأمر لا يفهمه تشده سحنة الجندي نحو حدث لم يتضح له بعد. ولكن ذهوله امام الدم المتدفق والصرخة الخرساء والعينين الباردتين المذهولتين، والارض المخضبة بالدم.. ابعده عن كل ما يوثق عراه مع عالمه. والرجاء يطل من العينين الجاحظتين. صرخاته المحبوسة في صدره تؤلمه. لم يعد يقوى على لملمة نفسه. يتفكك. جمع نفسه، او ربما لم يجمع .. وأخذ الجسد الصغير الدافئ بين يديه. ضغطه الى صدره عله يوقف تدفق الدم. شدته حواسه بين الحار والبارد. ولم يدر ما هو فيه. كانت السحنة ذات الوجه الطفولي الاجرد تضغط في مكان ما في ذهنه.. وتتراوح الصور والافكار بين المعتم والمضيء، بين الواضح والمجهول، بين اليقين والوهم، بين الوعي واللاوعي، والصرخة تدوي ...والدم يتدفق .. وهو يتفكك .. يتحلل، يفقد توازنه، يفقد ذاته، والسحنة تعمق قهره، وذهوله يشتد ... و"بابا " صارخة قوية مرعوبة... اراد ان يصرخ، ان يحتج .. ان يخترق صمته وذاته ... فلم يجد بدا من الانهيار فوق الجسد الصغير .. وفي ذهنه شاب يافع عروسه ترفل بثوبها الابيض الى جانبه وسط الزهور .. مئات الزهور...

********

اقيمت خيمة التعازي في عصر اليوم نفسه. جلس صامتا وصرخة الفزع المدوية " بابا " ترن في اذنيه، تتفجر داخل اذنيه، وتكاد تجعله اصم عن سماع آية كلمة تعزية .. بل يكاد لا يعي احدا من المعزين. عجز ذهنه عن استيعاب الوجوه المعروفة. كان حاضرا وغائبا .. قريبا وبعيدا .. ذهنه يراوح بين التشتت واليقين .. بين الوهم والواقع ... وتلك الصورة المشؤومة للجندي ذي الوجه الطفولي الاجرد، مصوبا بندقيته، ومطلقا رصاصته القاتلة بلا تردد، تمزق هدوء نفسه. تقف حائلا بينه وبين عودته لذاته.. تشده بعيدا، بعيدا جدا عما هو به. خيل له للحظات ان ما يعتريه ليس حزنا على فقدان حلمه، بل ندما على تصرف لن ينساه ولن يسامح نفسه بسببه ابدا. ربما بسببه يتواصل صراخ الفزع الممتد " بابا " مدويا في اذنيه، حتى يكاد يعزله عن كل ما يحيط به .. فلا يسمع الا صرخة الصغير المرعوبة، ولا يرى الا الدم المتدفق من الجبين الفتي، ثم انهياره فوق الجسد الصغير..

كان منفيا عن ذاته غائبا عما حوله. وصورة الوجه الطفولي الاجرد، بالعينين الزرقاوين الباردتين، والبندقية المصوبة، ودوي الطلقة، يكثف قهره ويضاعف قيظ نفسه...والرجاء في العينين الصغيرتين يعمق قهره وعجزه ...

لوهلة اتضحت الملامح واتضحت الصورة. لا بل كان كل شيء واضحا من اللحظة الاولى، حتى من اللحظة التي سبقت الطلقة. ربما هذا ما ضاعف ذهوله وفجر المه بكثافة لم يعهدها. ربما " بابا " ليس نداء استغاثة من مرعوب فقط ..انما توبيخ على حماقة لم تكن ضرورية. هل بتصرفه ذاك ارتكب خطيئة يدفع ثمنها اليوم ؟! .. ليكون هو قاتل ابنه بيديه ؟!

تندفع الدموع لعينيه، يشعر بها لكنها لا تشفي غله. محبوسة مع صرخاته، محبوسة مع المه، محبوسة مع تفجر نفسه بالقهر، تتهدم ذاته وتعذبه افكاره المشتتة، وملامح تلك السحنة من وراء البندقية لا تفارقه... والاحساس بحرارة الدم لا يفارقه. والجسد المرتخي بين يديه يكاد لا يغادره، وهو بعيد عن نفسه، لا يرى الا الجبين المثقوب، والوجه الطفولي الاجرد من وراء البندقية .. وهو بين اليقين والشتات. الصرخات المرعوبة لا تغادر سمعه ... يتواصل دويها. يصدق ولا يصدق .. ويرى صغيره يركض نحوه .. يراه شابا يافعا يسير مع عروسه والزهور تحيط بهما .. ويرى الوجه الطفولي الاجرد من وراء البندقية، يتضخم ليحتل كل شاشات دماغه.

في ظهر يوم قائظ التقى تلك السحنة الطفولية الجرداء. لم يكن ذلك منذ وقت طويل، منذ اسبوعين في خضم الاحداث الاخيرة. وها هو اليوم يدفع الثمن. الصرخات المرعوبة " بابا " تتفجر في اذنيه، توبخه، تصيح به، تتهمه، تؤلمه وتزيد قهره ... ويطل من عينيه رجاء لا يستطع تلبيته.

كان بعض الشباب الهائجين يحيطون بسيارة عسكرية حاولت ملاحقة بعض الفتيان، واستطاعوا ان يوقعوا بها، ويشعلوا فيها النار. ومن البعيد لمح ظل جنديين. أيقن ان النيران ستأتي عليهما ان لم يخرجهما من السيارة. ولأمر لا يدريه نسي كل حقده والمه لما يجري. قال لنفسه انهما لا يختلفان عن صغيره. لهما احلامهما وقلوب تبكي خوفا عليهما. ربما لو سمع عن حادث بعيد عنه لما اهتز .. ولكنه لم يحتمل ان يحرقا امامه. شعر ان الذي يحترق قد يكون ابنه الوحيد واحلامه. فاندفع كالمجنون تحت حجارة الشباب، ورغم الحروق الخفيفة التي اصابته واصابت الجنديان، استطاع ان يخرجهما من السيارة المحترقة ويمنع الشباب من تنفيذ غضبهم ونقمتهم .. ربما شتموه .. ولكنه شعر بكبرياء وراحة. شعر انه انسان .. يعطي الحياة ويعطي الأمل، ليس للعسكريين، انما للإنسانين المرعوبين داخل البزات العسكرية. وأيقن ان رعبهما لا يختلف عن رعبنا، وكرههم للموت لا يختلف عن كرهنا. هذا ما أعلنه مرارا متفاخرا بإنقاذه لعدوين مرعوبين ... " سننتصر بإنسانيتنا " كان يصر رغم سخرية الكثيرين منه. وحين كان ينظر لابنه، ويتأمل احلامه، يعرف انه تصرف التصرف الصحيح، وقد شده وجه أحد الجنديين الطفولي الاجرد بعينيه الزرقاوين. كان مرعوبا وفاقدا لتوازنه فاحتمى به. حماه بجسده. ورافقهما حتى الحاجز. لأول مرة يشعر بالشفقة على عدو له .. شعر بإنسانيته تتجاوز ذاته وتمتد. كان سعيدا لقراره المباغت بإنقاذ الجنديين، ولن ينسى الوجه الطفولي الاجرد المرعوب ... ولكنه اليوم لم يكن مرعوبا .. كان ينظر ببرود من وراء بندقيته .. وابتسامة تعلو شفتيه وهو يطلق رصاصة على الصغير المرعوب الراكض للاحتماء به. وتبعثرت افكاره مرة اخرى .. تبعثرت راحة نفسه التي عاد بعضها اليه .. وعلى حين غرة انفجرت صرخته .. وانطلقت دموعه .. بحر من الدموع والقهر والالم... ليس لفقدانه صغيره فقط .. الذي كان صوته يدوي حادا مرعوبا كل الوقت، ومؤنبا غاضبا " بابا " ... ولكن، ربما لأنه كان انسانا ...؟! لا يدري ما يؤلمه أكثر. كان المه مضاعفا. وكان لا بد له ان يصرخ.

nabiloudeh@gmail.com

 
تعليقات